الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
119
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وهذا يحلّل الأورام وأشباه هذا من أفعالها . فمن جعل هذه القوى فيها إلّا من خلقها للمنفعة ومن فطّن الناس لها إلّا من جعل هذا فيها ومتى كان يوقف على هذا منها بالعرض والاتفاق كما قال القائلون وهب أنّ الانسان فطن لهذه الأشياء بذهنه ولطيف رويتّه وتجاربه ، فالبهائم كيف فطنت لها حتى صار بعض السباع يتداوى من جراحه إن أصابته ببعض العقاقير فيبرأ ، وبعض الطير يحتقن من الحصر يصيبه بماء البحر فيسلم ، وأشباه هذا كثير . ولعلّك تشكّك في هذا النبات النابت في الصحاري والبراري حيث لا إنس ولا أنيس ، فتظنّ أنهّ فضل لا حاجة إليه وليس كذلك بل هو طعم لهذه الوحوش وحبهّ علف للطير وأفنانه حطب فيستعمله الناس ، وفيه بعد أشياء تعالج بها الأبدان وأخرى تدبغ بها الجلود وأخرى تصبغ الأمتعة ، وأشباه هذا من المصالح . ألست تعلم أنّ من أخسّ النبات وأحقره هذا البردي وما أشبهها ففيها مع هذا ضروب من المنافع ، فقد يتخذ من البردي القراطيس التي يحتاج إليها الملوك والسّوقة ، والحصر التي يستعملها كلّ صنف من الناس ، ويعمل منه الغلف التي يوقّى بها الأواني ، ويجعل حشوا بين الظروف في الأسفاط لكيلا تعيب وتنكسر ، وأشباه هذا من المنافع . واعتبر بما ترى من ضروب المآرب في صغير الخلق وكبيره وبماله قيمة وما لا قيمة له ، وأخسّ من هذا وأحقره الزبل والعذرة التي اجتمعت فيها الخساسة والنجاسة معا ، وموقعها من الزروع والبقول والخضر أجمع الموقع الذي لا يعدله شيء ، حتى أنّ كلّ شيء من الخضر لا يصلح ولا يزكو إلّا بالزبل والسماد الذي يستقذره الناس ويكرهون الدنو منه واعلم انهّ ليس منزلة الشيء على حسب قيمته ، بل هما قيمتان مختلفتان بسوقين ، وربما كان الخسيس في سوق المكتسب ، نفيسا في سوق العلم ، فلا تستصغر العبرة في الشيء لصغر قيمته ، فلو فطن طالبوا الكيمياء